ابن خاقان
مقدمة ص
قلائد العقيان ومحاسن الأعيان
والحقيقة ، إنّ أقرب وصف يعلق بذهن الباحث ، حول كتاب القلائد أنه كتاب يقع بين منزلتي الشعر والنثر ، وهو ما أريد له . وليس لنا أن نخوض في القضايا الشعرية والنثرية في هذا الكتاب لأنه ليس بالديوان الشعري ولا هو بالكتاب النثري ، وانما هو كتاب يشتمل على محاسن أعيان الأندلس واعلامه من الشعراء والكتّاب في الشعر والنثر معا . ولذلك فمن الطّريف أن نعالج مسألتي المنهج والموضوع في كتاب القلائد . فإذا ضاق بنا تحذلق الفتح اللغوي الذي يعجّ به الكتاب ، أو رأيناه ينشغل بالزخرفة اللفظية والتوليدات الفارغة ، وأنّ الصلة تكاد تنقطع ما بين قلائده وبيننا الآن ، ونفس الباحث لا تقوى على المتابعة والمسايرة ، لأنه ليس هناك ما يشدّها إليه ، من عمق الإحساس ونفاذ البصيرة وروعة الاستكشاف ، في السياسة والاجتماع ، فإنّا - أمام هذا كلّه - لا نملك أن نقول : انه طابع العصر وخاصيّته ، وإنّما يتعيّن علينا أن نتدبّر أمر الفتح بن خاقان في هذا الكتاب ؛ لأن فيه تأثيرا واضحا لمن يستقرئه ويفهم علّته ، لأن العناية بالزخرف اللفظي ؛ والافراط فيه ، لم تستطع أن تطمس كلّ مجالات التعبير الفني الجيّد ، إذ إنّنا نستطيع أن نردّ هذا التلاعب اللفظي ، إلى استشعار الفتح بن خاقان بالقصور ، بأنه لم يستطع أن يبلغ مبلغ صاحب الذخيرة ، مما دفع به إلى أن يتجه وجهة أخرى ، رآها تفي بالغاية في قصب السبق معه ، حتى عرف هذا اللون البلاغي به . يقول المقّرى ، صاحب النفح « 1 » ، فيما هو يلخّص عن ابن سعيد ، صاحب كتاب المغرب « 2 » ، ترجمة الفتح بن خاقان : " . . . وهو - يعني ابن خاقان - وأبو الحسن بن بسّام الشنتمري « 3 » مؤلّف الذخيرة ، فارسا هذا الأوان ، وكلاهما قسّ وسحبان ، والتفضيل بينهما عسيره ، إلّا أنّ ابن بسّام ، أكثر تقييدا ، وعلما مفيدا ، واطنابا في الأخبار ، وامتاعا للأسماع والأبصار ، والفتح أقدر
--> ( 1 ) النفح : 7 / 33 - 34 . وتختلف هذه الترجمة اختلافا بينا ، عما هو موجود في ترجمة ابن خاقان في المغرب ، فلعل المقرى ههنا ، ينقل عن الحجاري في " المسهب " الذي هو الأصل لابن سعيد . ( 2 ) المغرب : 1 / 259 - 260 . ( 3 ) تفرد المقرى بإيراد هذه النسبة " الشنتمري " ، وهو في مواضع متفرقة من النفح يذكره بنسبته إلى مدينة شنترين " الشنتريني " ، وهو الصحيح .